كحيلة

 

 

 

هرّة نحيلة، لها فراء أبيض ضحل مزين ببقع رمادية، عيناها زرقاوان محاطتان بلون أسود جميل. قررت أن أسميها كحيلة. هل أخبرتكم أن شغفي بالهررة وصل إلى مرحلة إطلاق أسماء على الهررة التي أصادفها في الشارع؟

 

أعلم أن بعضكم توقف عن القراءة سلفا، وأن البعض الآخر إنْ يستمر في القراءة إلا ليعرف ماذا تقول هذه الكاتبة الغريبة، وقليل منكم يتابع لأنه –وبصدق- يحب مخلوقات الله الأليفة اللطيفة الشفيفة.

 

حينما مررت بكحيلة، كانت تعتلى حاوية نفايات صغيرة. أخذت تنظر إليّ بتوجس متهيئة للجفول. آلمتني تلك النظرة في عينيها. كل هذا الخوف، والترقب، والعدائية المحتملة. هذا الافتراض أني جئت لأنغّص عليها وجبتها. وجبتها التي يستكثرها عليها الإنسان. الإنسان المجرم الذي اقتلع الهررة من بيئاتها الطبيعية وزرعها في مدائنه كي تكافح القوارض. وحينما أنهت مهمتها، بات يتوجع من الهررة التي تتناسل بإفراط، وتقتحم حاويات نفاياته وأفنية مبانيه، وتستظل أو تستدفئ بسياراته. الحل سهل جدا عزيزي الإنسان، تحمل مسؤولية أفعالك. اجمع الهررة التي جلبتها وارمِ بها في مواطنها الأصلية، و"لا ضرر، ولا ضرار" كما قال الحبيب عليه الصلاة والسلام! 

 

وظل السؤال يعجنني؛ أنيّ ينثّ كل هذا الخوف في قلب كحيلة وعينيها؟

اِقرأ المزيد: كحيلة

صلاح الأمر من بدايته

 

 نظراتهم المنكرة تحبس عبراته وترد بكاءه فيغص به. لِمَ يُعرضون عنه؟ لم يضحكون منه؟ لم يكذبونه؟ أوامر ونواه تشله فيقبض على بطنه متألما منزويا، وهو لا يجيد فهما ولا تعبيرًا. ألقوا إليه لعبة أجبرته وحدَتُه أن يحاول تركيبها بصمت فلما فشل ألقوا عليه اللوم والعقاب. ليس أحب إليه من الابتسامة لكنها تساوت مع العبوس بعد أن أمست عنوانًا لعتاب وإهانة ووعيد، وهو لا يجيد فهما ولا تعبيرا. يتنفس الصبح عن يوم جديد وهم يجترون إذلاله زجرََا واستهزاءً وطردًا حتى أجهضوا شخصيته وعطلوا إرادته. لم تعد حواسه المترقبة تنقل إلى حافظة عقله النظيفة النهمة غير العنف والكذب والتسويف وحتى النميمة، فتولدت فيه رغبة عارمة في الإيقاع بمن لا خوف منهم، بالأصغر وبالأضعف، صرفا للأعين والألسن والأيدي عنه وتحقيقًا لفعل شيء ملفت بعدما فشل في غيره، وهو لا يجيد فهمًا ولا تعبيرًا.

اِقرأ المزيد: صلاح الأمر من بدايته

اللقيطة

 

جلستْ في الغسق على مقعد إلى جانب النهر، تتأمل السماء التي بدأت غيوم الخريف تتراكم فيها، وقد بدأت تحجب شيئًا فشيئًا ضوء النهار، تُنبئ بعاصفة قريبة الهبوب  وتُلقي على صدرها المزيد من الثقل، كان الأسى يعتصر قلبها بعنف ويكاد يزهق أنفاسها وهي تستعيد مسيرة حياة استمرت فيها معاناتها منذ نعومة أظفارها وإلى أن بلغت الثلاثين.

          كم كانت قد تلقت من صدمات قتلت في نفسها الأمل وأنهكت قلبها الذي لم يعد يتسع للمزيد من المعاناة، ما جعلها تشعر بأن قلبها لم يعد فتيًا وبأنها رغم كونها لاتزال في سن الشباب قد تخطو خطوات سريعة نحو الخريف، وبأن العدّ التنازلي لحياتها قد بدأ يتسارع.

اِقرأ المزيد: اللقيطة

حياة اليهود الدمشقيين: بحث إثنوغرافي في الفترة 1988-1995

 

بناءً على تعايشي الواقعي مع أبناء الطائفة الموسوية (وهو الاسم الذي أطلق مؤخراً وبشكل رسمي على اليهود في سوريا) ولفترة من الزمن قاربت سبع سنين متصلة، فقد توفرت لي أرضية خصبة من المعلومات حول حياة تلك الطائفة في المجتمع السوري. وتأتي هذه الدراسة لتعطي صورة واقعية عن حياتهم وتعايشهم مع أفراد الشعب السوري، بالإضافة إلى إظهار صورة تعامل المسلمين الراقي مع من سالمهم وتعايش معهم من أهل الكتاب. ولأن البحث الحالي هو بحث إثنوغرافي في طبيعته، فكان لا بد أن أمهد للتعريف بشخصيتي حتى يتسنى معرفة رؤيتي للموضوع وتحليلي للمعطيات.

تعريف شخصية الباحثة:

أنا مواطنة سورية مسلمة عشت وترعرت في مدينة اسمها النَّبِك تقع بين مدينتي دمشق وحمص تبعد، حوالي 80 كم عن مدينة دمشق باتجاه الشمال؛ ومعنى النبك باللغة العربية المكان المرتفع، وتعتبر أعلى منطقة جبلية بسوريا حيث تترتفع عن ســـــطح البحر حوالـــي 1500 م. وهي منطـــقة باردة جداً شـــــــتاءً صيفاً، وبعض أهالي المدينة يـــستوطنون منذ القديم في مدينة دمشـــــــق، ويسكنون في حي اســــمه حي اليــهود. ومنذ صغري واســـــم هذا الحي يتـــردد على مســــــامعي، وكنـــت أظـــن أن اســــــم الحي لا يدل بالضرورة على وجود اليهود. وبعد انتهاء مرحلة دراستي الثانوية، وانتقالي لمدينة دمشـــــــق لإكمال دراســــتي الجامعية، وفي هذه الحالة توجب علي السكن بمدينة دمشـــــق. وقع اختياري على حي اليهود للأســـباب التالية وكان ذلك عام 1988م:

اِقرأ المزيد: حياة اليهود الدمشقيين: بحث إثنوغرافي في الفترة 1988-1995

ماكس فيبر والفعل الاجتماعي

تمهيد:

يقول الأديب الألماني الكبير غوته: "إنّ الإنسانَ لم يولد ليحل مشاكل هذا العالم، ولكن ليحدد مكمنها، وبالتالي يتمكن من ضبطها في مفاهيم واضحة".1*

ربما تشكل هذه المقولة خلاصة ما حاول قوله ماكس فيبر في دراساته الإبستمولوجية والميتودلوجية في إطار العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة. الوضوح، الدّقة، الضّبط، الثّبات، صفات يأمل فيبر أن تصل إليها مفاهيم العلوم الثّقافيّة. لقد وعى تمامًا أنه لا يمكن لنا أن نُخضع الظواهر الإنسانيّة للمناهج المطبقة في العلوم الطّبيعيّة، إننا لا نتعامل هنا مع مادة جامدة يمكن لنا ضبطها كميًا ورقميًا، كما في الظواهر الفيزيائيّة، بل نحن نتعامل مع الأفعال الإنسانيّة، بتداخلاتها النّفسيّة، والتّاريخيّة، والاجتماعيّة. ولكن بالمقابل لا يمكننا أن نترك الأفعال الإنسانيّة من غير محاولات فهم وتفسير للكيفية التي تسير عليها، ومن ثمّ إمكانية التنبوء بها مستقبليًا. ومن هنا بدأت محاولات "فيبر" في صياغة مفاهيم واضحة ودقيقة للعلوم الثقافية، لكي يحاول فهم الفعل الاجتماعي تفسيريًا. وننوه هنا إلى أن مصطلح علوم ثقافيّة "Kulturwissenschaften" هو المصطلح الذي ورثه فيبر عن الفيلسوف ريكرت "Heinrich Rickert" بوصفه أحد أتباع المدرسة الكانتيّة الجديدة"Neukantianismus" ، والّذي يقصد به العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والّتي تشمل عادةً حسب تصنيف نظرية المعرفة الألمانيّة: علم النّفس، علم الاجتماع، علم الاقتصاد، علم السّياسة، علم التّاريخ، علم التّربيّة، الإعلام، الإنتربولوجيّة، علم الآثار.

اِقرأ المزيد: ماكس فيبر والفعل الاجتماعي

الثّقافة المختلطة والْهُوِيَّة الثّقافيّة بعض فرضيات جدل الغريب والخاص في وحدة الثّقافة - تأليف أوسفالد شفيمر - ترجمة عبد الحكيم شباط

 تمهيد:

الثّقافات في تشكيل حياة النّاس وبالوصول إلى مناطقها الأعمق، تمنحهم هُوِيَّة محددة معترف عليها علنًا، وهي نفسها كيانات غير متجانسة. تُقدَم أنماط التّعبير الثّابتة في تاريخ شعب على أنها تشكل -عادةً- المرجع لوحدة جماعية متاحة، وكذلك بوصفها العاكس الأولي للمسافة المتحصلة من إمكانيات تعبيريّة معينة.

إلا أنه في تاريخها الَّذي أصبحت فيه ما هي عليه الآن كائنة، تفاعلت عوامل كثيرة بعضها  متناقض، وبعضها نتج عن الكثير من البواعث المتضاربة. وليست فقط الأفكار الخاصة – بواعث تشكل وقوى صياغة الأمة - هي الّتي تكون ثقافتها، بل كذلك القوة المحضة وقوة القهر من الخارج، ولكن أيضاً في بعض الأحيان الإعجاب والحماس للثقافات الأخرى من قبل الشّعوب الأخرى كان يسجل في الثّقافات. فالثّقافات تنمو من غير مخططات، إنها لاتحمل فقط الأفكار الملهمة والأعمال الإبداعية، ولكن أيضاً النّدوب من أغلال الماضي؛ لصمت مغلوب على أمره ولمقاومة مشلولة. الثّقافات بناء متعدد الأصوات، وليس كل صوت له رنّة نقيّة، والثّقافات بهذا المعنى تكون عادة ثقافات مختلطة. الموضوع الخاص وأحياناً المشكلة الخاصة لهذا النّوع المختلط من الثّقافة، أن عناصر مهيمنة في هذا الخليط تكون قد وفدت من ثقافات أجنبية، وبالتالي قد جلبت معها طابعها الخاص. كيف يمكن - أو يمكن على الإطلاق- تشكيل هُوِيَّة ثقافيّة خاصة، إذا كانت الخصوصية نفسها ستكون محددة مع الدّخيل؟!

اِقرأ المزيد: الثّقافة المختلطة والْهُوِيَّة الثّقافيّة بعض فرضيات جدل الغريب والخاص في وحدة الثّقافة - تأليف...

الفرح العابر

لا أعرف لماذا بدأتُ أملُّ الكتابة، وأصبحتُ أقصُرُ من الساعات التي أخلو بها مع نفسي، ربما لأسباب كثيرة لا سبيل لتفصيلها في هذا المقام، لكني على قناعة من أنّ الذين يكتبون بمداد الدم يُعْذَرون، فأنت أحيانا تكاد تفقد الصواب حتى وأنت في أتمّ هيئاته وقواعده، أو يُخيّلُ إليك أنك تفكر بعقل خاص، وإن لم يكن ذلك؛ فلماذا لا يشعر بقية البشر بما تشعر به أنت؟

كان صاحبنا المسكين ينتظر انتهاء صلاة الجمعة بفارغ الصبر، ليحمل سجادة قديمة، ويضعها على ناحية مدخل المسجد، ويقول:من أجل بناء مسجد يا إخوان، ويأتي بالأحاديث والآيات التي تُذكّر بفعل الخير. وهل الذي يدخلُ المسجد ويؤدي الصلاة ويعي عظمتها بحاجة إلى كل هذا التذكير يا شيخ؟ سامَحَكَ الله، فالخير أبوابه مفتوحة، دائمًا لا تُغلق! لكنّ أهله وما أدراك ما أهل الخير في هذا الزمان يا شيخ!

اِقرأ المزيد: الفرح العابر

دار ناشري


© جميع الحقوق محفوظة، دار ناشري للنشر الإلكتروني 2003-2014م، 1424-1435 هـ.
رقم الإيداع في مكتبة الكويت الوطنية:  2008 / 306-4
الآراء المنشورة والممهورة بأسماء كاتبيها لا تعبر بالضرورة على رأي دار ناشري. لمزيد من المعلومات، يرجى قراءة إخلاء المسؤولية.

القائمة البريدية