حالةٌ يتزايد الحديث عنها مع ازدياد الحروب وقساوة الأحوال المعيشية؛ يبدؤها الكثيرون نقمةً، وحالما تتحوّل لدى بعضهم إلى نعمة.
صحيحٌ أنك في الغربة لا تملك بيتًا يُشعرك بالانتماء حتى الموت؛ بيتًا شهد طفولتك وشبابك وهرمك، وفي أركانه نمت الذكريات، حلوها ومرّها، وعلى جدرانه تسلّقت الأحلام. بل أنت كالبدوي المسافر من خيمة إلى خيمة، لا تكاد تستقرّ على حال. لكنني كنت ممّن رأوا الغربة نعمةً، نعمةً من أعظم نعم الله عليّ، حتى إنني لأحصيها فلا أنساها! قد تكون الغربة عوّضتني برفاهية الأشياء التي تُفقد الأشياءَ طعمَها!
فعلى سبيل المثال، بدلًا من أن تمشي إلى المدرسة والعمل، وتمرّ بالمحالّ، وتشتري من هذا، وتسلّم على ذاك، وتشمّ روائح المخبوزات والحلوى، وحتى المازوت! بدلًا من أن تنثر رائحتك في طريقٍ سرعان ما تألفه ويألفك، يسأل عنك إذا ما غبت، ويحزن إذا ما تعبت، ويفرح لفرحك؛ عوضًا عن كل هذا، تطالبك الغربة بأن تلاحق عروض النوادي الرياضية، حيث لا تعرف فيها إلا نفسك التي تراها في المرآة، أو أن تخرج للمشي «الطوعي».
لكن دائرة الحديث مختلفة تمامًا. فالغربة أرشدتني إلى طرقٍ مختلفة للمعرفة، وأخرجتني من قوقعة الجينات المتشابهة، ومن الدم المتماثل بصلاحه وفساده، ومن عيون المعرفة المتطابقة، ومن سموم الأفكار المُدوَّرة، لا المعاد تدويرها. أخرجتني من بلوى العادات والتقاليد التي صارت فوق قول الله وقول الرسول. في الغربة، نظرت في الوجوه، فوجدت أعراقًا وثقافات لا حدّ لها. نهلتُ من أفكارٍ كوّنتني، فخرجت بها من دهليز الفكر الواحد والرأي الذي لا يحتمل الخطأ. يجمعنا الحديث عن الله، والأشياء، والأبناء، والآباء، والحياة، والطعام، والشراب، وضيق العيش، وسعة الصدر! لا نشترك في الحديث عن زواج فلانة، ولا طلاقها، ولا ولادتها، ولا رسوبها أو موتها. نترفع عن الأشخاص والخوض في شؤون الناس، إلا بما يستدعي قيامنا بواجبٍ ما. شاهدت ما يُعجَب له، حتى توقفت عن العجب. صارت الغربة وطنًا، والوطن غريبًا. لكنني حاولت الانتماء إلى أيٍّ منهما، فلم أستطع... فداخل كل وطن غربةٌ ما، وأنت، بطبيعة الحال، لا تنتمي إلى بلد الاغتراب! لكنك إن فكّرت في هذا بعقلية المسلم، فلن يؤلمك الأمر كثيرًا؛ فحيثما ذُكر الله، «عددتُ ذاك الحِمى من صُلب أوطاني»! فإذا ما كان عليّ الاختيار بعد هذه السنين، لاخترت غربةً هي لي وطن... ولعلّ الله يأذن بأن تحتضننا أوطانٌ بالاسم والمعنى.