دار ناشري للنشر الإلكتروني مغلقة، والنشر فيها متوقف.

لكن أرشيف الموقع من مقالات وكتب متاح للقراءة. 

شكرا لكم على ثقتكم طوال 23 عاما.

لم أكن أعلم مدى جاذبية الاستبداد حتى جرّبته .
كنت أعاني من حالة الديمقراطية الشائعة في البيت ، فأتلقّى الشكاوى بصدر رحب ، وأكظم غيظي حتى عندما يقدم الأولاد شكواهم فأحتاج إلى كثير من الصبر والوقت كي أقدم لهم حججاً مقبولة تفسّر أسباب توجيهاتي لهم.
وإذا تخاصم الابنان ، كان عليّ أن أترك أعمالي وأصغي إلى وجهة نظر كل منهما لأحكم بالعدل بينهما ، فألوم المخطئ وأعيد الحق إلى المظلوم . عندما تسلمت إدارة المؤسسة التي أعمل بها لم أشأ أن أمارس القمع الذي نعانيه من رؤسائنا ، لذلك اجتمعت بالموظفين في أحد مكاتبهم ولم ألق خطبة عصماء ولم أتشدق بوطنيات لا تتجاوز اللسان ، ولم أرفع شعارات فضفاضة لا معنى لها ، بل اكتفيت بالقول : كلنا موظفون ، ونعلم مقدار ما يعانيه العاملون في بلادنا ، اعملوا قدر امكاناتكم بمحبة وإخلاص وليختر كل منكم العمل الذي يجد نفسه صالحا له، وسأفعل ما بوسعي للتخفيف من أعبائكم ، ولن أكون في يوم من الأيام عبئاً عليكم ، أو ( بعبعاً) تتحاشون رؤيته في الصباح .

لم تمض أيام على إدارتي للمؤسسة حتى بدأت الطلبات والشكاوى تنهال عليّ .
كل عامل يشي بزملائه ويفضح أخطاءهم، ويراجعني المتخاصمون لأفضّ اشتباكهم . بل لقد تجرّأ بعضهم وراحوا يشيرون علي في ما يجب أن يكون .!!
بعد أسابيع وجدت نفسي واقفا في ( حيص بيص ) بشكل لم يعد سير العمل فيه ممكناً وبخاصة أن بعض العاملين يحرجونني في مسائل مهنية لا أفهم في تفاصيلها ، فاتخذت قراراً أزعجني في البداية ، وهو أنني سأوزع العمل بالطريقة التي أجدها مناسبة ، وأغض الطرف عن تظلمات بعض أصحاب الحق ..
الآن ، بعد ثلاث سنوات من استلام منصبي وفرض طريقتي ، اكتشفت أنها الطريقة الوحيدة الناجعة في مثل هذه الظروف التي تمر بها بلادنا .
صحيح أنني أتجاهل أخطاء بعض الموظفين ، وأتجنب الحديث في الرشاوى التي يُنمى إلي أنهم يتقاضونها من المراجعين ، وأوقّع كشوفات لجنة الشراء من غير تدقيق، وأكبت آراء بعض المخلصين التي أراها تصبّ في المصلحة العامة ، وأوقّع العقوبات والمكافآت بناء على اقتراحات رؤساء الأقسام من غير تمحيص ؛ كل تلك ( البلاوي ) تحدث في مؤسستي ولا أنكرها ، ولكن الصحيح الذي لا يمكن أن أتغاضى عنه ، هو حصولي على راحة لم أكن أحلم بمثلها .
لم تعد تهمني المشكلات التي يعانيها الآخرون ، ما دمت أقبض راتبي ومكافآتي وبعض المنح الإضافية والمصروفات ( المستورة ) .
والأهم من هذا وذاك ، هو رضى رؤسائي عني ، بعد أن غدوت آخذ ممن هم دوني وأعطي إلى من هم فوقي .
صحيح أنني أنصاع لرؤسائي كالنعاج ، ولكنني ـ بالمقابل ـ أحصل على انصياع العاملين في مؤسستي .
وإذا بدا بعض الموظفين غير راضين عن طريقة سير العمل ، فإن ذلك لا يهمني ، لأنني سرعان ما أخاطب رؤسائي ونعمل على نقلهم إلى أعمال نضمن فيها شعورهم بالمهانة والذل ، ونرتاح في إقصائهم كي لا يزعجوا أسماعنا بتذمرهم من استبدادنا في قراراتنا التي لا تقبل المراجعة أو النقاش .
الاستبداد متعة لا تدانيها سواها ، حيث تشعر بأنك الآمر الناهي الذي لا يرد له طلب ولا يُعصى له أمر .
إنه حالة نموذجية للعيش المريح ...

عليك تسجيل الدخول لتتمكن من كتابة التعليقات.

https://www.nashiri.net/images/logo_blue.jpgعالم وعلم بلا ورق.
تأسست عام 2003.
أول دار نشر ومكتبة إلكترونية غير ربحية مجانية في العالم العربي.

اشترك في القائمة البريدية