الباب يطرق.. الأم تنادي افتحوا الباب إنها طرقات أبيكم المعتادة
تنطلق البنت الصغرى كالسهم
تفتح الباب وترتمي بحضن والدها الذي انحنى لها بصعوبة
أهلا ياصغيرتي
فتبادره بسؤال فوري الم تقل إنك ذاهب لتصلي العصر في المسجد القريب فلماذا تأخرت إذا ؟أمي أعدت الشاي والكعك ونحن ننتظرك
فقال لها يمازحها اسف ولن افعلها ثانية ؟
يقف أمام المرآة، يهتم بترتيب هندامه وتمشيط شعره، قبل أن يقذفه الهم نحو رحلة مملوءة بالتعب والمعاناة...هذا يومه الخامس منذ عودته من " دبـي "...لم ينم جيدا سوى ساعتين فقط..ليودع بذلك أيام الراحة والهدوء...بل آذاه انقطاع الكهرباء وأصوات الرصاص ...أشعلت القذائف سماء بغداد... لتشتعل في داخله نيران الأرق...يبتلعه الظلام الدامس ...يدثره السواد...ويزيد خوفه وحشة المكان.
بعد رحلة جويّة مضنية عاني جرّاءها صداعا خانقا وألما في مفاصلة الفولاذية الجديدة، جاء الفرج وأُودِعَ في مخزن يخيّم عليه السكون. صحيح أن المكان كان هادئا حدَّ الوحشة، لكن الرحلة الطويلة التي قطعها من أرض سور الصين العظيم إلى الأراضي العربية ألجمته تعبًا، وكان يحتاج بضعة أيام من الراحة، لا سيّما أن فارق التوقيت قد قلب ساعات نومه رأسا على عقب.
خلف غيمَةٍ أبدية , تربضُ المدينة بسلام , تندسُ بين رذاذِ الحلم , وتغفو على أكفُفٍ من مَطر , في ميدانِها الفسيح , قصرٌ مزهوٌّ منيف , يمُدُ أذرعته لاحتضانِ المدينة , وأعناقه لمُباهاةِ السماء , تتكومُ قببهُ فوق أسقفه كشموسٍ تنزّلت من الأفق البعيد , خاشِعةٌ حيطانُهِ في هذه الليلةِ السرمدية , تتمتم بتعويذاتِ وتمتمات دفعًا لدياجيرِ الظلامِ وأشباحه , تسكنُ البهوَ العتيق خيفةٌ مُهيبة , وتجوبُ أرجاءَهُ نسيّماتُ باردة تتوّغلُ في صمتِهِ خلسة , نُعاسُ يغشى الجميع , ويراوِدُ أعينَ الحَرسِ عن أجفانها .أذكر جيدا قصة حبي الأول: كيف تخليت عن نفسي للحلول في الحبيبة، وكيف قدمت نفسي قربانا للحبيبة، وكيف صارت الحبيبة مع توالي الأيام ترى القربان واجبا يوميا عليَّ تقديمُه.أتذكر جيدا قصة حبي الأول لأن فشلها عجل بدخولي عالم الدين الذي انتشلني من الانتحار والإدمان والاكتئاب والانهيار الشامل.
الصفحة 12 من 35