لم يكن يدور في خيال أحدٍ من المحيطين بهذا المولود الصغير "رضا عبد السلام" أن يصبح له هذا المستقبل المشرق وهذا النجاح الباهر بسبب الإعاقة الحركية التي وُلد بها، وهي الضمور في الذراعين. إلا أن استقبال والديه له بالرضا، ومن ثَم أسمياه "رضا"، وتصميم والده الحاج عبد السلام، رحمه الله، على الاهتمام به وتعليمه، كان له الأثر الواضح في بلوغه هذه المكانة.
فكان من عادة أهل الريف أن يتعاملوا مع أي صاحب إعاقة بنوع من الشفقة، ثم يهبونه للقرآن الكريم ليتعلَّمه ثم يتكسَّب من تعليمه عندما يكبر، إلا أن والده كان له أسلوب آخر في التعامل معه...
فأول ما فعله عند استقباله هو أن صلى ركعتين ثم توجه إلى الله تعالى بهذا الدعاء "أنت الذي خلقته وأنت الذي تسيره للحياة"، ثم أخذ في رعايته وتعليمه شيئًا فشيئًا حتى مرت سنواته الأولى وأصبح على مشارف الالتحاق بالمدرسة.
لقد وضعت الشريعة الإسلامية بعض القواعد العامة والهامة لصحة الفرد ، تلك القواعد من شأنها القضاء على الأمراض بإزالة أسبابها ، كما أرشدت السنة أبناء الأمة إلى طرق الوقاية من الأمراض عن طريق الالتزام بتعاليم شريعتهم وسنة نبيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم عند أكلهم ، وشربهم ، ونومهم ، وقيامهم ، في كل شيء حال حياتهم ، وعند مماتهم ، وحتى بعد موتهم .
ومن القواعد العامة والهامة التي وضعتها الشريعة للوقاية من الأمراض والقضاء عليها ما يلي :
1) الأمر بالمحافظة على الصحة
حيث أكدت الشريعة الإسلامية على أن الوقاية دائماً هي خير من العلاج ، فالإنسان الذي يحافظ على صحته يكون أقل الناس عرضة للمرض ، ومن ثم فقد أمرت الأحاديث النبوية الشريفة بالتزام أمور ، وحذرت من أخرى ، ونبهت إلى ثالثة ، وذلك كالآتي :
(1) تكمّموا، لا تتمسّكوا!
أعجب من ممن يتمسّكون بكلمة "مَاسْك" في حديثهم اليومي. كيف فاتتهم دقة العربية التي تفرّق بين القِنَاع والكِمَام؟ في حين تستخدم الإنكليزية Mask للدلالة على القناع (وهو ما يغطي الوجه كله) والكِمام (وهنو ما يغطي الأنف والفم).
أمّا الكِمام، فقد جاء عنه في لسان العرب: "الكِمَام، بالكسر، والكِمَامة: شيء يُسدُّ به فم البعير والفرس لئلا يَعَضّ." ثم تغيّرت دلالته وصار يستخدم للكِمَام الطبي المعروف. ولاحظوا أن الميم غير مشدّدة، فلا يصح أن نقول كمّام أو كمّامة.
وفي الزمان الغابر، كان العرب يتّقون الغبار بالتلثّم. وهذه كلمة جميلة، ونستخدمها في لهجتنا الكويتية فنقول مثلا: "فلان متلثّم بغترته". جاء في اللسان: "اللِّثامُ: ردُّ المرأة قِناعَها على أنفها، وردُّ الرجل عمامته على أنفه". مهلا، هل قرأتم "قناع المرأة"؟ نعم، فالقِناع والمِقْنَعة عند العرب قديما هو "ما تتقنَّع به المرأة من ثوب تغطّي رأسها ومحاسنها" كما يقول المعجم. إذًا، كان القناع يُستخدم لما يُغطّى به الرأس تحديدا لا الوجه، وفي هذا شواهد عديدة، ليس هذا مجالها. ثم تغيّرت دلالة الكلمة (ورصد التغيرات الدلالية مبحث لطيف)، وصارت تدل على ما يُغطّى به الوجه -لا الرأس- لغرض الحماية (كأقنعة الحماية من الغازات أو أقنعة الأكسجين)، أو اللهو (كأقنعة الحفلات والأطفال)، أو أقنعة التمثيل، أو حتى أقنعة اللصوص!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلا تَعْجَزْ ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ : قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)[2] .
وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[3] .
لقد أولت الشريعة الإسلامية صحة الفرد اهتماماً كبيراً حتى تصبح دولة الإسلام قوية بأبنائها ، يعملون ويكدون ويجدون ويجاهدون في سبيل الله ، من أجل تقدم دولتهم ، ورفعة أمتهم .
وقد عملت الأحاديث النبوية على نشر الوعي الصحي بين أبناء المجتمع المسلم مما ساعد على الوقاية من العديد من الأمراض ، بل والقضاء على بعضها .
فالاهتمام بالصحة العامة يؤدي إلى زيادة الإنتاج ، والتقدم في شتى المجالات الصناعية والزراعية والتجارية ، فكلما كان الشعب صحيحاً كلما تقدمت الدولة وأصبحت قوية والعكس صحيح .
"ما هذا السواد؟ لا تزالين صغيرة!"
سمعتُ هذه العبارة عددَ مرّات لا أودّ إحصاءها. وكنت غالبا ما أجيب إجابات لطيفة ومواربة مثل "الأسود يليق بي" (في إحالة لرواية أحلام مستغانمي "الأسود يليق بك")، أو تشتيتية مثل "الأسود ملك الألوان"، أو مرحة مثل "أسود يا سواد الليل"، أو متحذلقة مثل "أرتدي تحت العباءة قميصا ملونا وبنطال جينز". إلى أن فطنت إلى أنّ الانتقاد ليس موجها في حقيقته إلى اللون الأسود، بل موجه تحديدا لعباءتي التي صدف أنها سوداء.
بدايةً، لَمْ يأمر الإسلام المرأة بلون معين، ويحظر عليها لونا آخر. وسواد العباءة ليس مقصودا لذاته، بمعنى أنّه ليس توقيفيّا تعبّديا. لكنّه مفضّل على غيره لكونه أقدر على ستر تفاصيل الجسد.
إذن، لماذا أتمسك بالعباءة السوداء رغم هذا؟ أولا، وثانيا، وثالثا، لأن هذا ذوقي الشخصي، ومزاجي الخاص. ولا أرى الذين يسألونني عن سواد عباءتي يسألون بالحماسة ذاتها مَن تصبغ شعرها بالبنفسجي عن عملها هذا، أو مَن تخرز لسانها بحلقة معدنية، أو مَن تستعرض شطر جسدها على الملأ. وأحسب أن ما يستفزهم في العباءة دلالتها الدينية لا الذوقية.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فإن من نعم الله تعالى على عباده أن يواليَ مواسم الخيرات عليهم؛ ليوفيَهم أجورهم ويزيدهم من فضله، ويضاعف لهم الحسنات، ويكفر عنهم السيئات، ويرفع لهم الدرجات؛ ومن هذه المواسم: العشر الأواخر من رمضان، فلقد أكرمنا الله بهذه الليالي المباركات؛ فهي خير ليالي العام، وشرع لنا فيها عبادات جليلة ترفع قدرنا ودرجاتنا، وتغفر ذنوبنا وخطايانا، ورزقنا فيها بليلة مباركة هي خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه.
ومن أبرز العبادات التي اختص الله فيها العشر الأواخر من رمضان: عبادة الاعتكاف، والاعتكاف شرعًا هو المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، ومن شروطه أن يكون في مسجد، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في غير مسجد؛ قال تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187]، وعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد، فأُرجِّله - يعني: أمشط شعره - وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا))؛ [رواه البخاري ومسلم].
الصفحة 16 من 433