إثناعشر سنة على إغتيال الإرادة الشعبية مرت، كما لو أنها مجرد لحظات.. لكن آثارها من دون شك بالغة السوء، وجروحها أعمق في الكيان النفسي للشعب الجزائري.. فالانقلاب المشؤوم الذي حدث في تلك الليلة الباردة من 11 جانفي 1992، فجر أزمة رهيبة لم تعرف الجزائر مثيلا لها في تاريخها الطويل، وأدخلت تلك المغامرة "للعينة"، أدخلت البلاد في فتنة غير مسبوقة، وأخرجت الطرف الأكثر استقطابا في الشارع الى تحت الأرض،والنتيجة "200 ألف قتيل، و20 مليار دولار خسائر، و1 مليون منكوب ومتضرر، وآلاف المفقودين" ومازالت شظاياها تصيب الجزائريين إلى يوم الناس هذا..
حينما يجثم ليل الهزيمة على النفوس بكلاكله الثقيلة,وترسف الأكف في أغلال الذل وسلاسل الاستعباد يتلفت الناس يمينا وشمالا باحثين عن بصيص من أمل يعيد إلى العزائم المتراخية ثقتها ويبعث في ركام اليأس الأسود ومضة من تفاؤل وبريقا من كرامة بعد أن كاد الرماد أن يطويهما إلى غير رجعة .إن تضحيات الأبطال وقوافل الشهداء تمثل بلا ريب رصيد الأمة من العز والفخار,ويزيد هذا الرصيد نفاسة وقيمة حينما تأتي تلك التضحيات في زمن الذل والانكسار ,لأنها لا تقاس حينئذ بما تحققه على الأرض من مكاسب وانتصارات ولكن بقدر ما تحييه في النفوس الواهنة المستكينة من قيم الجهاد والكفاح ومعاني البذل والفداء!.
برد استكهولم وتراكم الثلوج في بعض جنباتها لم يخف جمالها المعماري ولا أناقتها الحضارية البارزة ولانظافة شوارعها وهي التي تتكيء على عدد من البحيرات تتعايش مع ضبابها وسككها الحديدية وشوارعها القديمة والتي سبقت أوربة في حداثتها وان كانت اليوم قد تخلفت عنها في تحديثها , فالسويد كما حدثنا أهل السويد من أهلنا هي دولة صامتة لم تدخل الحرب العالمية الثانية ولكنها استفادت منها ببيع الأسلحة والعتاد والعتد الى كل الأطراف المتحاربة , فلم تدمر مدنيتها بل انتفخت خزائنها بأموال هائلة جعلتها أكثر دول العالم تقدما وحضارة , ولاأقول أغنى دول العالم فكلنا يعرف كم من دولةٍ غنية ٍ أموالها حكر على بعض الجيوب وأرضها وشعوبها ترزح تحت نير التخلف والشرذمة وسفاسف وقشور الثقافات المستوردة!
فرنسا الإستدمارية ..لم ينه وجودها العسكري في الجزائر ..سوى إيمان الأمة الجزائرية المطلق ..بأن قضية الاستقلال ..قضية كبرى يجب الالتفاف حولها..ومدها بالقوة..وبكل ما هو نفيس..وسقيها بالدماء .فبريق الحرية الساحر .. غداة تفجير الثورة التحريرية المظفرة ..شكل من الجزائريين على اختلاف مستوياتهم الثقافية..ومشاربهم المفاهيمية لحمة واحدة ..بحركها الشعور القوي..بأن قيد الاستعمار لابد أن ينكسر .. وللأبد ..ولابد من الولوج إلى التاريخ من بابه الواسع .لقد كانت قضية الاستقلال من كبرى القضايا على الإطلاق .. وضعتها الأمة نصب أعينها..مند انكسار السيادة الجزائرية على البحر الأبيض المتوسط..في معركة "نافرين" الشهيرة ..وتحطيم الأسطول الجزائري آنذاك ..
عندما فكرنا في فتح هذا الموضوع البالغ الأهمية والحساسية، كنا نعتقد سلفا أنه سيثير ردود أفعال متباينة وتشنجات عاطفية، وقد يحرك عصبيات ضيقة، لكن نؤكد ونسجل صراحة أن المقصد من ذلك ليس تحريكا للجرح الذي لم يندمل بعد، أو إستثارة للاوجاع من خلال إصدار أحكام وتوجيه إتهامات هنا وهناك، وإنما هو إستشراف لمستقبل افضل يمر عبر ممارسة نقدية ذاتية صارمة، واعتراف شجاع بالأخطاء والعثرات لفتح عيون وعقول الأجيال التي مازالت تحت وقع الصدمة، وما فتئت تتخبط في متاهات الحيرة تتلمس طريق الخروج وتبحث عن نور جديد يبدد عنها هذا الظلام الحالك، ويزيل عنها حالة الإرتباك والذهول، ويضع اقدامها على طريق الإقلاع الراشد.
عندما وصلنا استكهولم ليلة عيد الميلاد كانت الثلوج تغطي المدينة والصمت يلفها كعادة الأوربيين في هذه الليلة العظيمة عندهم , والتي يكون الاحتفال فيها دينيا تقليدا عائليا ,وذلك على الرغم من المفاجأة التي صدمتنا في الاختلاف بين طريقة احتفال القوم في السويد عنها عند قومنا في اسبانية, نزلنا الفندق الذي أعدته الرابطة الاسلامية في السويد لضيوف مؤتمرها الرابع والعشرين , وبتنا بانتظار بدء فعاليات ذلك المؤتمر الذي كان واحدا من أهم وأنجح المؤتمرات التي حضرتها.
لاأدري ماذا تعني كلمة "أجندة" بالضبط لأننا هنا في اسبانية لانستخدم من الكلمات الأجنبية إلا الاسبانية الفصحى , فالقوم هنا متخلفون متأخرون!!! و لشدة حرصهم على لغتهم القومية لايكادون يستخدمون إلا مفرداتها وبتعصب منقطع النظير! , ولكنني من استخدام المقارنات وسؤال الجهابذة من العرب المطلعين ثم البحث في القواميس , علمت أن كلمة "أجندة" التي تستعمل في طول صحفنا وعرضها انما تعني شيئا يشبه المنهج أو الخطة أو المفكرة أو جدول الأعمال ! وعجبت من اتّهامي بأنني كاتبة ذات جدول أعمال سري !! فهذا في الواقع أعجب اتهام وجه الي في حياتي !